الاعضاء المدعويين لقراءة الموضوع والمشاركة فيه

النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    الصورة الرمزية غسان الشرجبي
    [معماري]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: غسان الشرجبي
    آخر نشاط
    12-15-2009
    المشاركات
    15
    [yemeni] ومكان السكن [sana'a]
    [التخصص]: eng.

    افتراضي المجتمع والعمارة - م/ غسان الشرجبي

    م/ غسان الشرجبي

    المجتمع والعمارة
    رغم إيماني بأن مظهر البناء له أعمق التأثير في سكانه ، إلا أن المرء لا يستطيع أن يسكن الناس في البارثينون . ويجب أن تكون التصميمات الجميلة عند الواحد منا بحيث تفي بحاجات الناس اليومية المتواضعة ؛ والحقيقة أنه عندما تكون هذه التصميمات صادقة بالنسبة لموادها وبيئتها ومهمتها اليومية ، فإنها ستكون وجوباً جميلة بالضرورة .
    على أن القرية الجديدة لا يمكن ان تكون صادقة بالنسبة لوظيفتها إلا إذا كنا نعرف بالضبط ما ستكونه هذه الوظيفة . وسيكون علينا أن نزيل الغطاء عن الحياة اليومية لأهل القرنة ونكشفها ، ولعل ذلك سيكون حتى بأدق مما يعرفونه هم أنفسهم عنها .
    وكل إنسان يكون له مجموعة من العادات في أفعاله ، وأفكاره ، وردود فعله ، ونحن عندما نرغب في تمييزه عن غيره نُستدعي ماله من فردية . وعندما ننظر في أمر مجتمع ، سوف نرى أنه نمط من هذه الفرديات ، وأهم من ذلك أن كل فردية منها هي من خلق كل الآخرين . فكل خصوصية في الفعل ، أو الفكر أو رد الفعل إنما قد نشأت تحت ضغط من تلك الخصوصيات الأخرى الكثيرة التي تجاورها و تحت تأثير مطالب المناخ ، والعمل ، والمهنة ، فالفردية ليست (( صفة )) مجردة غامضة و لكنها محصلة تفاصيل كثيرة ملموسة ؛ متى ينهض الإنسان من نومه ، و ما إذا كان يحلق ذقنه ، والملابس التي يفضلها ، وعاداته في الحديث ، والناس الذين يخضع لهم وأولئك الذين يتحكم فيهم . وفوق كل شيء آخر فإنها بيته .
    فالبيت ، وهو مكبَّر الإنسان نفسه ونصبه التذكاري الأبقى ، وينفق في الحجم والمظهر والرفاهية مع التفاصيل الأخرى لفردية الإنسان . وهو بالطبع يتكيف حسب حاجاته الاقتصادية ، على أنه أيضاً فيه كل الخصائص العارضة لمزاجه . وقاعة قصر كتخداً في القاهرة بسموقها ، وبرودها في بساطة ، وبجلالها إنما تعكس مهابة الإمارة عند الأمير الذي بنيت له ، أما بهو بيت جمال الدين الذهبي الذي يعد بالمقارنة مخسوفاً ومسرفاً في زينته فهو بلائم ما لشيخ التجار هذا من روح تجارية متحذلقة .
    والوادعون من الناس يعيشون في بيوت هادئة ، والشحاذون تنحنى الجدران في قريتهم بمذلة وأنين ، والمتعالون من الناس تحملق بيوتهم في برود فوق رأسك . فالبيت أيضاً يعي تماماً مكانته الاجتماعية ؛ وكما يعرف الإنسان من الذين يفوقونه مكانة ومن الذين ينظر هو إليهم من عل ، فإن البيت كذلك يتخذ موقعاً يتفق ومرتبته ، وهو حسب ما لتجهيزاته من حجم وترف أو فقر يُظهر ملائمة هي أرهف ما تكون بالنسبة للتقسيم الطبقي للمجتمع . وفي مصر يعتبر القروي أن إحدى علامات التميز لأعلى هي أن يمتلك بيتاً له أرضيات خشبية تسمى (( المصرية )) أي القاهرية ، وهو يتباهى بامتلاكها على زملائه من أهل القرية الذين ليس لديهم إلا أسقف من القش والبوص .
    وهكذا فإن القرية بعد أن تعيش فيها أجيال كثيرة ، لا تقتصر على أن تصبح متوائمة مع روتين سكانها في العمل والترويح ، وإنما هي أيضاً تنمو لتعكس أوجه الغرابة في مجتمعها ن وينمو الطوب والملاط في كلِّ حي واحد مع الحصاد والزرع ، وحفلات الزفاف والجنازات ، والبيع والشراء ، والحرفة والمهنة ، وإحساس العائلة العائلي ، وإحساس الطبقة الطبقي ،. وتتخذ المباني شكل المجتمع بما له من أبعاد كثيرة ، مثلما يتخذ الحذاء القديم الشكل الخاص لقدم أحد الرجال أو بالأحرى مثلما يواصل نبات متنام تكييف نفسه مع بيئته .
    وصانع الحذاء قد يبذل الجهد حتى يلائم الحذاء عميله ، وذلك بأن يقيس قدمه ، ويشكل الحذاء بحرص
    بحيث يكون مناسباً للعميل وحده – أو هو قد يكون مثل صانع أحذية الجنود ، فينتج حجماً نمطياً من الأحذية ويترك قدم العميل لتكيف نفسها بأحسن ما يمكنها . والشيء نفسه بالنسبة للقرنة ؛ كان لديّ مجتمع بكل تركبه وكان في وسعي إما أن أدفع به في مساكن ذات أحجام نمطية معدودة ، تاركاً إياه ليمارس من التقلصات والبثرات كل ما يمارسه العسكر يالمجند عندما يأخذ في التعود على حذائه ، وأما أن أقيسه وأنتج قرية تتواءم معه بكل ما فيه من أوجه عدم الانتظام والتواء ، الأمر الذي يشبه نوعاً نزع قوقع من محارته و إدخاله في محارة أخرى .
    ومجتمع القرية يستغرق قياسه زمناً طويلاً ويحتاج لأدوات قياس أكثر دقة من شريط القياس . على أن هناك أمراً واحداً كان واضحاً منذ البداية ؛ وهو أنه يجب أن يتم التصميم لكل عائلة على حدة . وهكذا ينبغي على الأقل أن تتم استشارة كل عائلة في القرنة ، وينبغي أن نكشف عن أشياء كثيرة كان من الصعب نوعاً استجلاؤها من أهل القرنة المتشككين المتحفظين .
    وكان لدينا نوع من دليل من مسح مبكر للقرية القديمة يضع قائمة للبيوت ويصف مناطقها ، وعدد الحجرات ومواد التسقيف ؛ على أن هذا المسح قد تم منذ عشرة إلى خمسة عشر عاماً ، و حتى إذا كان لم يعف زمنه ، فإنه لم يكن بالذي يعطي نوع من المعلومات الذي أطلبه . كان ثمة حاجة ملحة لبعض المسح الاجتماعي ، إلا أنه لم يكن من السهل أن يصل إلى هناك بحاثون اجتماعيون ، وحتى لو أمكن الحصول عليهم ، فإني كنت أعرف بالخبرة أن ما سيسألونه من أسئلة فجة إجابتها (( بنعم أو لا )) ، مما يتم تصميمه ليس للكشف عن مجتمع و إنما لإنتاج الإحصائيات . وإحصائيات كهذه ليس لها سوى أقل قيمة للمعماري ، إنها مما يمكن أن ينبؤنا وحسب بعدد أطفال زيد أو إذا كان عبيد عنده حمار ، و لا تستطيع الكشف عما إذا كان زيد وعبيد على علاقة طيبة معاً . والاستبيان المعتاد لا يستطيع أبداً أن يجلب إلى انتباهي حقيقة اجتماعية مهمة كما مثلاً عندما يفعل المهندس المعماري شيئاً فيؤدي إلى تحطيم عائلة . ولو استطاع أحد الصبية أن يشق طريقه من كوخ فلاح إلى المدرسة فالجامعة حتى يصبح محامياً أو طبيباً أو مدرساً أو ضابطاً ، الأمر الذي لا بد أنه سيحدث للمزيد والمزيد من الصبية الفلاحين ، فإنه سيحس بالخجل من بيته القديم ولن يعود إلى القذارة والقبح الذي يعيش فيه والده . ومن بين سبعة آلاف من أهل القرنة لم يكن قد تخرج من الجامعة سوى فرد واحد ، هو الآن محام يمارس مهنته في القاهرة ولم يضع قدمه قط ثانية في قرية موطنه . ومع انتشار التعليم في ظل القانون الجديد ، سيتعلم جيل جديد بأسره من الأطفال ليزدروا – وهم على حق تماماً – قذارة بيوتهم ؛ ولكنهم سوف ينظرون – وهم على خطأ تماماً - إلى الحداثة البراقة للمساكن الحضرية على أنها العلامة الحقيقية للتقدم والتمدن . ونوع الأسئلة التي تُسأل في أبحاث المسح المعتادة لا يستطيع أن يكشف عن مدى سرعة التغير في حياة الريف . وقد لايستطيع الواحد أبداً أن يدرك كيف أن النمط التقليدي القديم من العزلة والجهل بالعالم الخارجي لهو نمط يتحطم بدداً عن طريق حافلة ( أتوبيس ) الريف والسيارة الأجرة ؛ وفيما مضى لربما عاش الرجل ليموت في قريته وهو لم يذهب قط حتى لأقرب مدينة ، أما الآن فإن وجه مصر تشقه آلاف من طرق الحافلات ، وتكدس كل أنواع الناس وطبقاتهم في سيارات مترنحة ، لا شيء إلا لمجرد الركوب فيها .
    والحكومة البرلمانية أيضاً ، بدعايتها ، وخطب انتخابها ، تأتي بالمدينة مباشرة إلى القرية . ومذياع المقهى قد حل منذ زمن طويل مكان الحكايات الشعبية والأساطير . والتعليم العام ينتج الآن آفاقاً جديدة لأطفالنا . وقد فعلت وسائل الاتصال الغربية بالقرية ما فعله كوبر نيوكس بالأرض – فالقرية الآن أصبح ينظر إليها كجزء صغير من الكون ، وليس على أنها مركزة ، بينما العالم الغربي ، وهو مصانع تشيكوسلوفاكيا وإيطاليا بسلعها التي تصمم خصيصاً بألوان فجة سقيمة لترضى الذوق الفاسد عند الفلاح ، هو الذي أصبح يبدو على نحو متزايد وكأنه الشمس أو المصدر الوحيد للحياة . والفلاح المغلوب على أمره ، وهو يبحث عن التقدم ، يهجر التراث الحضاري الذي يحمي ذوقه ، وذلك قبل أن يتم له اكتساب ما يلزم من قدرة على التمييز ، تحل مكان تراثه .
    وهكذا فإن منتجات أوروبا و أمريكا بلمعتها التي تزداد دائماً ، تلك الأقداح المعدنية الناصعة ، والأكواب الموشاة بالذهب ، والحلي الزجاجية ذات الألوان الباهرة ، والأثاث المذهب ، كل هذا يقهر أسواق القرى المحرومة من أي دفاع ، ويجبر الأعمال اليدوية الجميلة الجليلة التي ينتجها الحرفيون المحليون على ان تختفي في هوان . والفلاح ، وقد تفتحت عيناه على ثراء حياة المدينة ، يتخذ لنفسه مثالاً من الموظف الحضري و ضابط الشرطة ، وهذان ، يكون أي شيء أوروبي هو بالنسبة لهما الشيء الجيد . إنه لا إله إلا الله ؛ و لا مدينة إلا مدينة الغرب . ويصبح الذوق الوضيع الشره لسكان المدينة من الطبقة الوسطى هو ما يملي الطرز الرائج عند ملايين الفلاحين . وكما أن سائر تاريخ مصر الحي على النيل قد أصبح في حالة تقهقر كامل ، فإن حرفيتها قد أخذت تختفي أمام هجوم الصفيح البراق والأقمشة المبهرجة . والطابع المرئي
    للقرية ، مثله مثل عادات سكانها ، يتغير لأبعد مما يمكن إدراكه ، بينما يظل في عين رجل الإحصاء التي لا تميز وكأنه هو نفسه بالضبط . فالإحصائيات تغفل تماماً عن المعلومات الحيوية من مثل طريقة احتفال الناس بأعيادهم الشخصية والدينية . وهناك مثلاً التقليد السائد في بعض قرى مصر العليا ، حيث أي فرد يعود من القاهرة لا يقيم أول ليلة في بيته الخاص و إنما في مضيفة العمدة ، وذلك ليدلي بما لديه من أخبار جديدة ، و إذ يجهل المهندس المماري هذا التقليد فإنه يفشل في توفير ما يناسبه . وحتى نكتشف التقاليد والطقوس
    السائدة ، ونرسم خريطة طبقات المجتمع ، ينبغي أن تتحدث إلى المسنين بالقرية ، وأن نرقب حياة القرية لشهور كثيرة . وحتى نكتشف كيف يقوم الناس بعملهم وكيف يستخدمون بيوتهم ، ينبغي أن نرصد الآراء ونستدعيها . والحقيقة أنه كان ينبغي أن نُخضع القرنة حقاً لبحث شامل اجتماعي – اثنوجرافي *
    واقتصادي ، ينفذ على نحو صارم بأقصى درجة ، ذلك أننا كنا نريد معلومات يُعتمد عليها حتى نؤسس عليها تخطيط مشروعنا . والناس بصفة عامة لا يدركون أن الاثنوجرافي الاجتماعي له إسهامه الضروري في تخطيط المدن والمناطق ؛ على أني أرى أنه له نفس أهمية الديموجرافي ** . والمخططون كلهم تقريباً يتعاملون الآن مع مجتمعات هي في عملية تغيير، و ما من مخطط يستطيع الزعم بأنه بخبرته الخاصة المحدودة و ملاحظته غير المتمرسة سيفهم التغيرات الحضارية التي تحدث حتى في مجتمعه هو . وأقل من ذلك ما يستطيع أن يزعمه من فهم للمجتمع الأجنبي ، حيث يحدث كثيراً أن يكون عليه فهمه . والاثنوجرافي الاجتماعي هو وحده الذي يستطيع أن يوفر هذا الفهم ، وهو فهم قد يثبت في النهاية أنه أمر حيوي لنجاح المشروع . وينبغي أن يُعد المسح الاثنوجرافي الاجتماعي معاً مما لا يمكن حذفه عند تخطيط المدينة مثلما
    ______________________________________________
    * الاثنوجرافيا : الاثنروبولوجيا الوصفية ، علم الأعراق البشرية الوصفي ( المترجم )
    ** الديموجرافيا : علم دراسة الإحصائية للسكان ( المترجم )
    لا يمكن حذف السجل الديموجرافي للمجتمع .
    والسلطاتلم توفر لنا أبداً هذا النوع من العون المهني ؛ وهكذا كان علينا أن نتصرف حسب ما لدينا من معرفة وتخمين يتأسسان على الفهم المتعاطف لحياة الفلاح . والطبيب البارع كثيراً ما يصل إلى تشخيص بالملاحظة المباشرة هو أدق مما يصل إليه طبيب غير متمرس رغم كل ما قد يتوفر للأخير من مساعدة الأدوات العلمية ؛ وقلت لنفسي ذلك و أنا آمل أنه حتى تلك المعطيات الضئيلة التي جمعناها ، قد يكون فيها عندما ندعمها بخبرتنا ، ما يكفي لكتابة وصفة علاج ناجحة لحالة القرنة ! فالنقاط المماثلة لما سبق ذكره ، والتي يغفلها المسح الإحصائي غير الكامل ، لو تم تفسيرها تفسيراً ذكياً فإنها ينبغي أن تمد بمفتاح للحل الصحيح للمشكلة المعمارية .
    وأول مشكلة معمارية كبيرة في القرنة الجديدة كانت تخطيط القرية . مسألة ما هو الطابع الذي ينبغي أن يكون لشوارعها ، وكيف تكون العلاقة بين البيوت أحدها بالآخر ، وهي مسألة على أقصى درجة من الأهمية .
    م/ غسان الشرجبي
    * * *
    بنية القرابة والتقاليد المحلية
    هناك سبل ممكنة لكيفية تنظيم عدد من البيوت وتنويع الطريقة التي تلتقي فيها القرية هي والريف . وفي أوروبا مثلاً تتداخل القرية مع المشهد الخلوي الطبيعي ، والبيوت ليست فحسب منفتحة على هذا المشهد الطبيعي ، و إنما هي جزء منه ، تماماً مثلما تكون الأشجار والحقول جزءاً من القرية .
    وفي مصر حيث تختلف طبيعة الفلاحة وحيث منظر الأرض الزراعية أقل جاذبية ، فإن القرويين يفضلون أن يحشدوا بيوتهم متقاربة معاً فيما يكاد يكون كتلة حجر واحدة . ويرجع هذا في جزء منه إلى الطبيعة العدوانية لخلاء الريف ، وفي جزء لطلب الاحتماء ، وفي جزء آخر إلى غلو ثمن الأرض الزراعية التي لا يريدون تبديدها . و حاجة القرويين هذه للاحتماء من الطبيعة ومن الناس الآخرين ، لحماية أنفسهم والماشية معاً ، تنعكس في الطريقة التي تنفتح بها البيوت والقرى للداخل نحو المركز مديرةً ظهرها للعالم الخارجي .
    ويصدق هذا بالذات على القرى التي بنيت بالفعل فوق أرض زراعية . والقرى في مصر العليا ، حيث يضيق وادي النهر ، تنحو إلى أن تُبنى على التلال التي على الجانبين ، حيث يصبح في الوسع أن تستخدم مساحات أكبر . والقرنة القديمة هي في الحقيقة قرية منبسطة على نحو خاص في غير نظام وهذا في جزء منه لأن كل بيت قد بنى ليشمل أكبر عدد ممكن من المقابر .
    والآن فإن معظم المهندسين المعماريين عندما يعيدون تخطيط قرية ، يرصون البيوت في شوارع مستقيمة منظمة ، يوازي أحدها الآخر . وهذا أمر سهل ، ولكنه كئيب . والحقيقة أن هذه الشوارع المتوازية عندما تتكون من بيوت متجانسة منمطة على أدنى المستويات ، ولا يخفف من وقعها أي أشجار أو ملامح أخرى ، فإنها تكون هكذا ذات تأثير كئيب منحط . على انه ما من حاجة لرص البيوت هكذا . فهذه البيوت نفسها بالضبط يمكن تجميعها بنفس السهولة من حول ميدان صغير . ويكون هذا اقتصادياً تماماً مثل صفوف البيوت المستقيمة ، كما أن له مزايا العديدة . وأول شيء ، فهو أن الميدان يُبقى على التوجه التقليدي لبيوت القرية بواجهتها للداخل . وثانياً ، فهو يجلب للقرية بعضاً من لطف وتحضر حياة الإنسان الغني في المدينة . فقصر الباشا كان يبني دائماً من حول فناء أو سلسلة من الأفنية ، تعطي له جواً خاصاً من الهدوء والجمال . ولسوء الحظ فقد نشأ عند المهندسين المعماريين تحيز ضد الأفنية، ذلك أنه عندما هجر الباشوات قصورهم وانتقل إليها أفراد الشعب ، استخدمت هذه الأفنية كمساحة للبناء تختنق بمساكن صغيرة غير صحية . وهكذا فإن ما كان ذات يوم فناء رحيباً هادئاً أصبح حشداً مكتظاً من أكواخ سيئة التهوية . على أننا نستطيع أن نستعيد الفناء للناس مع الاستيثاق من أنه لن ينال مصير فناء الباشا . وعندما نجمع بيوتهم حول الأفنية أو الميادين الصغيرة ، فإننا نستطيع منحهم كل الجمال الذي كان الباشا يستمتع به ويتم في نفس الوقت إسكانهم إسكاناً أنيقاً نظيفاً . وبالطبع فإن الفناء لن يكون بعد فناء مغلقاً ، ولكنه سيتصل بالشارع بحيث يصبح ملكية عامة ، ولا يمكن أبداً أن يستخدم للبناء ، بينما هو في نفس الوقت ينتمي بوضوح إلى مجموعة واحدة من البيوت .
    و إني لأحس أن الميدان والفناء هي عناصر معمارية ذات أهمية خاصة في مصر . فالمساحات المفتوحة هكذا من خلال المباني ، هي جزء من طابع المعمار في الشرق الأوسط كله – وهي موجودة حقاً ابتداء من المغرب ، ثم هي تتخلل الأراضي الصحراوية مباشرة إلى سوريا والعراق وفارس ، حتى تصل إلى ما قد يكون أرهف تعبيراً عنها في بيوت المدينة بالقاهرة القديمة . والأمر يستحق أن نستطرد هنيهة لننظر في معنى الفناء والميدان بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في العالم العربي .
    يوجد في المساحات المغلقة في الغرفة أو في الفناء ، خاصية معينة يمكن الإحساس بها بوضوح ، وتحمل الطابع المحلي بمثلما يحمله أي قوس بعينه ، وهذه المساحة المحسوسة هي في الحقيقة عنصر أساسي في المعمار ، و إذا لم يتوافر الإحساس الصادق لمساحة من المساحات ، فإنه ما من زينة تستطيع بعدها أن تجعلها شيئاً طبيعياً ينتمي للداخل من التراث المرغوب .
    هيا ننظر إلى البيت العربي كتعبير عن الحضارة العربية . بأي الطرق أدت القوى البيئية التي صاغت الشخصية العربية إلى التأثير في المعمار المنزلي ؟
    إن العربي يأتي من الصحراء . والصحراء هي التي كوّنت عاداته ووجهة نظره وشكلت حضارته . وهو مدين للصحراء ببساطته ، وكرمه ، وميله للرياضيات والفلك ، ناهيك عن بنية عائلته . ولما كانت خبرته بالطبية هي خبرة مريرة للغاية ، ولما كان سطح الأرض ، والمنظر الخلوي الطبيعي هما بالنسبة للعربي عدو قاس ، محترق متوهج قاحل ، فإنه لا يجد أي وجه للراحة في أن يفتح على الطبيعة في المستوى الأرضي. فوجه الطبيعة الحاني بالنسبة للعربي هو السماء – النقية الطاهرة ، الواعدة بالبرودة وبالماء الواهب للحياة من سحبها البيضاء . السماء التي تقزّم حتى من اتساع رمال الصحراء أمام لا نهائية الكون كله المرصع بالنجوم . وما من عجب أن تصبح السماء بالنسبة لساكن الصحراء هي بيت الله .
    والوثنيون الأوروبيون لهم-- آلهتهم في الأنهار وفي الأشجار ، أو آلهة تمرح على قمم الجبال ؛ ولكن ما من إله لهم يعيش في السماء . فإله السموات آتى للعالم عن الرعاة وسائقي الجمال في الصحراء ، الذين كانوا لا يستطيعون أن يرو أي مكان آخر يلاءم الإله ؛ فسطح الأرض بالنسبة لهم لا نتاج له إلا من الجن والشياطين الذين يدورون فيما حولهم في العواصف الرملية .
    و هذه النزعة الغريزية المحتومة لرؤية السماء على أنها الوجه الحاني من الطبيعة قد تنامت تدريجياً كما رأينا ، إلى فرض لا هوتي محدد ، أصبحت فيه السماء مقام الله ، والآن وقد اتخذ العربي لنفسه حياة مستقرة فإنه شرع يطبق الاستعارات المعمارية في علمه الكوني ، بحيث تعد السماء قبة تدعمها أعمدة أربعة .
    وسواء كان هذا الوصف يؤخذ أو لا يؤخذ به حرفياً ، فمن المؤكد أنه يضفي قيمة رمزية للبيت ، الذي يعتبر نموذجاً أو مصغراً للكون . والحقيقة أن الاستعارة وُسعت بأكثر إلى الجوانب الثمانية للمثمن الذي يدعم ، على خناصر معقودة ، قبة ترمز للسماء ؛ وقد أُخذت هذه الجوانب الثمانية على أنها تمثل الملائكة الثمانية التي تدعم عرش الله . ولما كانت السماء عند العربي تعد في التو المقر لوجه الطبيعة القدسي و أكثر ما فيها السكينة ، فإنه بالطبع يريد أن يجلبها إلى مسكنه نفسه . وكما أن الناس في أوروبا يحاولون أن يجعلوا من منازلهم شيئاً متوحداً مع المنظر الخلوي الطبيعي هو ونباتاته ، إما من خلال الحدائق ، أو من خلال جدران الألواح الزجاجية ، فإن الناس في البلاد الصحراوية يحاولون أيضاً أن يُنزلوا صفاء وقدسية السماء لأسفل بالداخل من البيت ، ويحاولون في نفس الوقت . أن ينغلقوا عن الصحراء برمالها المْعمية الخانقة وشياطينها المنفرة .
    ووسيلة صنع ذلك هي الفناء . فالبيت يكون مربعاً أجوف ، وقد أدار للخارج جدران صماء بلا نوافذ ، بينما تطل كل غرفة للداخل على فناء لا يمكن أن يُرى منه إلا السماء . ويصبح من هذا الفناء قطعة السماء التي تخص المالك . والمساحة المحاطة بغرف بيته تستطيع ، على أحسن حال ، أن تولد وحدها إحساساً بالهدوء و الأمان لا تستطيع أن تولده أي قسمة معمارية أخرى . حيث تكون سماء الفنان في كل الأحوال وكأنها قد جذبت لأسفل في علاقة حميمة بالبيت ، وهكذا فإن روحانية البيت تظل تتزود من السماء تزوداً مطرداً .
    وصفاء الفنان المطوَّق ليس بأمر خيالي ، ولا هو بالعمل الرمزي المستبعد ، ولكنه حقيقة يمارسها كل فرد يمشي من داخل البيت العربي أو من داخل فناء لدير أو كلية . وقيمة المساحة المطوَّقة قد تم إدراكها ليس فحسب بواسطة سكان الصحراء ، وإنما أيضاً بطول ساحل البحر المتوسط ، بواسطة قدماء الإغريق وبناة الفيللا الرومانية ، وبواسطة الأسبان بباحتهم المرصوفة ، كما أدركها المعماريون العرب في جوامع القاهرة وبيوت دمشق ، وسامراء ، والفسطاط .
    على أن الفناء بالنسبة للعربي على وجه خاص ، إنما هو أكثر من مجرد وسيلة معمارية للحصول على الخصوصية والحماية . إنه مثل القبة ، جزء من مصغر يوازي ترتيب الكون نفسه . وعلى هذا النمط الرمزي ، فإن جوانب الفناء الأربعة تمثل الأعمدة الأربعة التي تحمل قبة السماء .والسماء نفسها هي السقف للفناء ، وهي تنعكس على النافورة التقليدية التي في وسطه . وهذه النافورة أو الحوض ، هي في الحقيقة إسقاط دقيق لقبة فوق خناصرها المعقودة . وهي في التصميم مشابه بالضبط ، فهي أساساً مربع ، زواياه في المستوى الأوطي ، قد قطعت لتشكل مثمناً ؛ ومن كل جانب من الجوانب الجديدة التي تشكلت هكذا تتقعر نصف دائرة ، بحيث أن الحوض إنما هو نموذج مقلوب للقبة ، بالضبط كما لو كانت القبة الحقيقية تبدو في صورة مرآة في الماء .
    وبيت العربي الذي ينظر إلى الداخل ، مفتوحاً للسماء الهادئة ، وقد جُمّل بعنصر الماء مؤنثاً في شكل نافورة هذا البيت المكتفي بذاته والمفعم بالسلام ، الدعوى النقيضة المتعمدة للعالم الخشن للعمل والحرب والتجارة ، هو هكذا مملكة المرأة . والكلمة العربية المسكن (( المسكن )) التي تدل على البيت ، تتعلق بكلمة
    (( السكينة )) ، أي ما هو سلمى مقدس ، بينما كلمة (( حريم )) التي تعني (( النساء )) تتعلق (( بالحرم )) أي (( المقدس )) ، الذي يدل على الأجزاء الخاصة بمعيشة العائلة في المنزل العربي .
    والآن فإن من الأهمية بمكان أن هذه المساحة المطوقة ، بما تحتويه من أنوثة دافقة راعشة ، لا ينبغي لها أن تنكسر . و إذا كان ثمة فجوة في المبنى المحيط ، فإن هذا الجو الخاص سوف ينساب للخارج ويتدفق إلى الضياع في رمال الصحراء . فهذا السلام والقدسية ، وهذه الأنثوية المتجه للداخل ، وهذا الجو من السكن الذي لا تكفى كلمة البيت للإبقاء به ، هذا كله هو إبداع هش لدرجة أن أقل خرق صغير في الجدران الواهنة التي تحميه سوف يؤدي تدميره . وهذا هو السبب في أن الباحة المرصوفة ، التي تكون مفتوحة عند أي واحد أو اثنين من جوانبها ، والتي ربما تكون بهيجة بما يكفي في أسبانيا حيث الخلاء الريفي مروِّض نسبياً ، هذه الباحة لا تصلح أبداً في الشرق الأوسط ، حيث ستقفز الصحراء المتوحشة داخله كالجن لتدمر البيت . ولو أن جانباً واحداً حتى من الفناء هو جدار بسيط ، لفسد الجو ، واضطربت فيه السكينة . فلا يمكن الإبقاء على هذا السحر في مكانه إلا بواسطة غرف يُسكن فيها حقاً ، وسبب هذا بالطبع هو أنه ليس بمادة – ولن نستطيع الحديث هنا إلا بضرب الأمثال – و إنما هو إحساس ، وهو يتخلق بالضبط بالتفات الغرف هكذا إلى الداخل و إذن ، فإنني لهذه الأسباب أساساً قد خططت كل منزل ليكون من حول فناء ؛ ولكن الأمر لم يقتصر على أن يتضمن كل بيت فناءه ، وإنما كانت كل مجموعة من البيوت تنتظم أيضاً لتحيط بالفناء المشترك الأكبر شبه العمومي ، أو الميدان ، فناء (( الباشا )) الذي تكلمت عنه فيما سبق . وكل واحد من هذه الميادين ، بما يحيط به من بيوت ‘ قد قصد به أن يخدم مجموعة عائلية واحدة ، أو (( بدنة )).
    والبدنة هي مجموعة من أناس قرابتهم لصيقة ، وتتألف من عشر عائلات إلى عشرين عائلة ، ويكون لها رأس أبوي معترف به كما أن لها حساً وثيقاً بالولاء المشترك . وتعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة ، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة ، تعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة ، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة ، إلا أنها تتبع أسلوباً مشتركاً للحياة .
    والبدنة الأكبر يكون لها مقهاها الخاص ، ولا يذهب أحد إلى المقهى آخر ؛ كما يكون لها حلاقها وبقالها الخاصان ، وعندما تخبز إحدى العائلات خبزها ، فإن كل العائلات المجاورة في البدنة يكون لها أن تستخدم الفرن لتسخين خبزها القديم ، وحسب دورة مرتبة للعائلات تقدم كل منها هذه الخدمة في دورها ؛ أما في الأعياد والاحتفالات عند استقبال الضيوف فإن البدنة ككل توفر الوليمة ووسائل الترفيه . والبدنة هي من وجوه هامة من الوحدة الاقتصادية – الاجتماعية الرئيسية للفلاح . وكان عليّ أن أحسب لذلك حسابه ، وأن أتأكد من أن كل بدنة يتم إسكانها معاً وتوفر لها تسهيلات متابعة القيام بكل الأنشطة الاجتماعية التي تعودت عليها .
    وكان هذا سبباً إضافياً لتخطيط البيوت من حول ميادين ، حيث تستطيع البدنة أن تستقبل الضيوف و أن تقيم الاحتفالات المرتبطة بالزيجات وعمليات الطهور ( وُفرت مضيفة أو غرف ضيافة للاستخدام المشترك لكل بدنة في ميدانها ) ، والميدان أيضاً يصلح لأغراض أخرى أكثر عملية كالتخزين المؤقت للوقود والقش ، و إلا فإنهما كان سيكومان بلا نظام في الشارع العام . على أن الأهم من ذلك ، أن الميدان بما يضيفه على المنازل بوصفه بؤرة لها حيث تلتفت كلها للداخل مطلة عليه ‘ فإنه بذلك يخلق للبدنة شيئاً من الجو نفسه الذي يخلقه فناء المنزل الخاص للعائلة المفردة .
    وهكذا فإنه يساعد على توثيق صلة المجموعة العائلية معاً ، بتأكيد لطيف متواصل على وحدتها ، وكذلك أيضاً بسبل عملية عديدة ، مثل تسهيل ممارسة تلك العادة الراسخة من أين يسخن المرء خبزه في الفرن الذي صادف أن يكون أي من جيرانه يخبز فيه ، وبتوفير مكان للأطفال يلعبون فيه حيث يكونون تحت أعين أمهاتهم وليس تحت أرجلهن . على أن ما كان بالنسبة لي أكثر أهمية من كل هذه الاعتبارات ، لهو التأثير في الشخص إذ يخرج من غرفة بيته ، ثم من خلال فناء البيت ، إلى الميدان الأكثر رحابة و إن كان مازال مطوقاً ، بحيث لا يمر إلى الشارع العام إلا بعد ذلك . وسواء كان ذلك في القرية أو المدينة ، فإن هذا الترخيم التدريجي فيه سلام وسكينة بأكثر مما في الاندفاع المفاجئ للمرء من خصوصية غرفته الصغيرة إلى صخب الشارع أ إلى الحجم الهائل للحقل .
    ومن الممكن أن تُرتب هذه الوحدات نفسها بالضبط ترتيباً يتم بطرق مختلفة – كتخطيطها في شبكة متعامدة أو أي شكل آخر – على أن أحسن ترتيب لها هو الميدان المتناسب تناسباً جيداً . على أنه يجب ملاحظة أن من المهم أهمية حيوية أن البيوت يجب أن يكون وجهها للداخل ، في الميدان ، تماماً مثلما يكون ضرورياً أن يحاط فناء البيت بالغرف ووجهها للداخل .
    ومما يحدث كثيراً إلى حدٍ ما أن نرى ما يزعم أنها ميادين ، وهي بالفعل ليست إلا مجرد مساحات عارضة تحددها نهايات صفوف البيت ، أو جدار لمدرسة ، أو ظهر مصنع . وعندما تدير كل المباني ظهرها إلى الميدان ، أو تعطيه في أحسن الأحوال جانباً بارداً منها ، فكيف لنا بعدها أن نتوقع أن يستخدم الناس هذه المساحة كميدان حقيقي ؟ وما يحدث عندها لا يقتصر على أن الجو العام يتسرب بعيداً ، بل إنه أصلاًلا يتواجد أبداً . والمساحات الكئيبة من مثل ذلك سرعان ما تصبح مقالب للزبالة ومقراً لاجتماع عصابات الأحداث المنحرفين .
    واستقبال الضيوف في القرية هو جزء هام جداً من حياة القرويين . واحتفالات العائلة هي والأعياد الدينية تستدعي حشداً كبيراً ، ويقوم كل الجيران بالمساعدة في توفير الطعام . ويجتمع الضيوف حسب مراتبهم ، فرئيس مجموعة العائلات – الرجل الأكبر سناً والأكثر احتراماً في البدنة – يتخذ مكان الشرف في المضيفة حيث يُقدم له الطعام هو والضيوف الأكثر اعتباراً . أما الأقارب الأبعد صلة فيجلسون لأبعد قليلاً من تحت المقاصير المغطاة . أما جمهور المعارف العارضين هم وعابرو السبيل فيجتمعون في الخارج في الميدان .
    ومن الممكن رؤية الميادين الخاصة وهي تستخدم أعنف استخدام لاحتفال من هذا النوع وذلك عند الاحتفال السنوي ؛ بمولد النبي ، الذي يرادف الكريسماس في الغرب . فالاحتفالات عندها تستمر لاثني عشرة ليلة ، وفي كل ليلة منها تقوم بالضيافة عائلة مختلفة ، ويجتمع أفراد المجاورة لسماع ترتيل القرآن وللمساهمة في الذكر أو الحركات الإيقاعية مع التغني باسم الله .
    * * *
    الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية
    كان علينا بأي حال ، أن نعرف عن أهل القرنة ما هو أكثر من مجرد تقاليد وتجمعاتهم الاجتماعية ، وأهم من ذلك أن نعرف الحقائق الصادقة عن حياة القرويين الاقتصادية ، التي يمكن منها أن نقيس تأثير انتقالهم في قدرتهم على كسب عيشهم . ورغم أن مهمتنا كانت فحسب أن نبني مجموعة جديدة من البيوت ، فإنه ما كان يمكننا أن نتجاهل عامدين مسألة أسباب العيش هذه عند أهل القرنة بعد انتقالهم . فوسيلة القرويين لكسب عيشهم هي مما يجب أن يؤثر في تصميم بيوتهم وما يتم توفيره لهم من المباني العامة .
    وأول حقيقة أصبحت واضحة لنا هي أن أهل القرنة لا يمكن أن يأملوا في كسب عيشهم من الأرض المحيطة بالقرية . فإجمالي مساحة الأرض الزراعية المتاحة للقرنة هو فحسب 2357 فداناً ؛ الفدان = 1.038 من الأكرات ) ، بينما كان عدد السكان في إحصاء 1947 هو 6394 . وحيث أن 2357 فداناً لا يمكن أن تعول إلا 3000 فرد ، فسيكون هناك فائض من 3000 فرد آخرين على الأقل عليهم أن يكسبوا رزقهم من مهنة أخرى . وقد تطور الأمر بالقرنة إلى مهن خدمة الآثار ، فاستُخدم سكانها غالباً كعمال في الحفائر ، كما كسبوا أيضاً مالاً وفيراً من سرقة المقار وبيع الأشياء للسائحين . ولابد أن عدد السكان عند نشوب الحرب في 1939 كان حوالي 9000 ، إلا أن إيقاف كل الحفريات وكساد أعمال السياحة قد جعل الكثيرين من أهل القرنة يتركون القرية ، كما أدى وباء شديد من الملا ريا الجامبيا في 1947 إلى قتل ما يقرب من ثلث السكان الباقين . ومع ذلك فحتى هذا العدد المنخفض من السكان لم يكن ليستطيع أن يجد عملاً كافياً لكسب العيش ، وذلك رغم إعادة بدء الحفائر . أما عملهم القديم في سرقة المقابر فقد أصبح عائده في تناقص مستمر بسبب تزايد يقظة السلطات ، واستنفاذ ما في القبور . وفوق ذلك ، فإن أهل القرنة عندما ينتقلون ، سيجدون معيشتهم أصعب و أكثر تكلفة ، ذلك أنه عندما يُقتلع مجتمع من جذوره ويتبدد ما كان لديه من وسائل صغيرة لراحة العيش ، فإن من كانوا يتمكنون بالكاد من مواصلة العيش سيصبحون جوعا ، وكما يبدو ستصبح موارد مل فرد أقل .
    والآن ؛ فقد افترضت مصلحة الآثار أن السكان سيستمرون في الانكماش ، وكان هذا استنتاجاً طبيعياً من الموقف الاقتصادي الفعلي للقرية آنذاك . على أنه كان يوجد – ومازال يوجد – طريقتان محتملتان – لكسب أود جماعة سكان متنامية . والأولى أن تستبدل بعض الحرف بشتى المهن التي تعتمد على الآثار . وتحول القرنة إلى مركز للصناعات الريفية . وهذا أمر متاح كما يتضح من مثل نقاده ، وهي مدينة على مقربة يعيش سكانها العشرون ألفاً على النسيج . ولو أصبح أهل القرنة في معظمهم من الحرفيين ، فإنه يمكن أن يستقر السكان بعددهم الحالي وسوف يأخذون بعدها في التزايد بالمعدل الطبيعي للزيادة .
    والاحتمال الآخر للتنمية يعتمد على قرب القرنة من الأقصر ومن منطقة الآثار ؛ فالقرية الجديدة ستصبح قاعدة السياح لزيارة وديان المقابر ؛ والطرق التي تؤدي من المعدية النيلية إلى الآثار والتي تمر عبر القرنة كانت بالفعل ممهدة ، وهناك جسر صغير قد بنى على ترعة الفضلية . بل وهناك حديث عن بناء كوبري على النيل لربط الأقصر بالضفة الغربية. والقرنة قريبة من معظم الآثار الهامة أكثر من الأقصر ، وإقامة فندق سياحي هناك ستوفر فرصة كبيرة للعمالة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . والحقيقة أنه مع تحسن المواصلات فإن قيمة الأرض سترتفع ويمكن حتى أن تصبح القرية ضاحية للأقصر .
    وهكذا فإن تنمية القرنة تبدو أمراً ممكناً للغاية . وتخطيط القرية الجديدة يوفر إحلالاً لكل بيت في القرية القديمة سواء كان مسكوناً أو غير مسكون ، بجيث تستطيع القرنة الجديدة أن تأوي ما يصل تقريباً إلى العدد الأصلي للسكان وهو 900 . وإذا زاد عدد السكان عن 9000 ، فإن هناك متسعاً للامتداد شمالاً وغرباً حتى يمتلأ الحوش عن آخره ؛ أما حالياً فيستخدم منه خمس واحد فحسب للقرنة الجديدة . وأما المباني العامة فكانت كبيرة بما يكفي للتعامل مع زيادة عدد السكان بما له اعتباره ، وذلك فيما عدا المدارس الابتدائية ؛ سوف يلزم بناء مدارس جديدة بمعدل مدرسة لكل 2000 ساكن جديد .
    وإذن فإن أحد أجزاء المشروع الحيوية هي أن توسع موارد أهب القرنة بتزويدهم بالمهن التي توفر كسب المال . والمهن التي لديهم من قبل هي قليلة العدد ؛ وقد ذكرت مهارتهم الملحوظة في تزييف التماثيل والجعارين الأثرية ، وإلى جانب هذا فقد اعتادوا تحويل الألبستر إلى زهريات ، ونسج بعض أنواع لطيفة جدا ً من المنسوجات الصوفية ، وأن يصنعوا الفخار . وهم أيضاً يقومون ببعض أعمال صياغة الفضة ، إلا أن المشغولات الفضية لم تكن مما يُطلب الآن إلا قليلاً ، فكانت المهنة في طريقها إلى الزوال .
    والعمل في بناء القرية الجديدة سيوفر فرصة رائعة لإدخال المهن المختلفة المتعلقة بالبناء . والحق أنه يبدو توفير المهارات المحلية ما كان يمكن بناء القرية . وأردت أن أعلم أهل القرنة صنع الطوب ، واستخراج الحجارة ، وحرق الطوب والجير ، ورص مداميك الطوب ، والسباكة ؛ والتجصيص . ثم هناك تأثيث بيوتهم الجديدة ، وأردت في ذلك أن أحافظ على التصميمات التراثية للأثاث التي تلائم البيوت ، وربما مع تعديلها .
    والقرويون ما إن يتعلموا هذه الحرف ، فإنهم سيستطيعون بيع مهارتهم ومنتجاتهم للقرى الأخرى من حو لهم ولكن إذا تم ذلك بالنسبة لهذه الحرف ، فلماذا لا يتم أيضاً مع غيرها ؟ غن النسيج الصوفي المحلي ينبغي أن يجد سوقاً له . ويمكن تعليم القرويين صنع بساط الحصير ، والسلال ، والأبسطة والسجاجيد . وكنت أرغب أشد الرغبة أن اكتشف طريقة بسيطة لصقل الفخار على درجة حرارة منخفضة ، بحيث يمكنهم صنع أواني مائدة من نوع جيد ليبيعوها ، والحلي أيضاً ؛ كان هناك تقليد بأن تدخر النقود في شكل حلي فضية من المشابيك والخلاخيل والأساور والعقود ، والأنواع الأخرى من الحلي – ومن هنا تكون مهنة صياغة الفضة وأعتقد أنه لو كانت مدخراتك بحيث يتسنى لك أن تراها وتعجب بها فإن هذا أفضل من أن تحتفظ بها في مصرف ، وهكذا وددت أن أشجع إحياء مهنة صياغة الفضة . ومن الممكن أيضاً صنع التذكارات للسياح
    ( وهه هنا بعض مجال لمزيفي الآثار ) . بل أننا فكرنا في تأسيس ورشة صغيرة لصنع النوافذ ذات الزجاج المعشق الملون .
    ولو ابتدأت كل هذه الأنشطة الجديدة في القرية ، فإنها ستهب الناس في التو حياة أكثر إرضاءً . وسوف تتضاعف مقتنياتهم الشخصية وتصبح بيوتهم أجمل ، وسوف يكسبون نقوداً أكثر ويتخلصون مما ألفوه طويلاً من تعاسة .
    والمدينة إنما تقاس حسب نوعية ما يقتنيه الناس من الأشياء الثانوية للحياة وكسب نوع عاداتهم ، فهي لا تقاس بغلو ثمن مقتنياتهم . وقد يحوز أحد الرجال آلة حلاقة كهربائية ، ولكنه لن يكون أكثر تمدناً من رجل يحوز موسى من الطراز القديم ؛ فالاثنان يحلقان وهذا فيه الكفاية . والأمير المترف إذ يجلس في مكتبته الخاصة وسط كتب من الطبعة الأولى كلها مجلدة وعليها شعاره ، لا يكون بسبب هذا أكثر تمديناً بأي حال من عامل رث ملابس يدرس في مكتبة عامة كتباً قذرة بليت من كثرة التقليب . فمستوى المعيشة في القرية إنما يرتفع ارتفاعاً عظيماً بتوفير بيوت بسيطة ولكنها وافية ، مؤثثة بما يكفي ، ومزودة بالتركيبات الصحية ومزينة بالمنتجات المحلية الممتازة ، كما يرتفع بالتعليم ، وبالنقود التي تكتسب من الحرفة ، وبزيادة الاتصال بالمسافرين والسياح والمدرسين من الخارج . وهكذا يصبح الناس أكثر صحة وسعادة وراحة وأمناً وحتى جداول الإحصائيين سيظهر فيها عدد وفيات أقل و أطفال أكثر .
    * * *
    واقتصاد القرنة الجديدة عليه بحكم الظروف أن يعتمد على الإنتاج و (( التصدير )) . ولدينا الفرصة لاختيار الحرف التي يبدو أنها اكثر إرباحاً ، ويبقى علينا أن نستفيد بكل ما لمجتمع حرفي قوي من مزايا تتفوق على جيراننا المزارعين الأكثر ضعفاً ، ولربما شعر هؤلاء الجيران حقاً بالغيرة إذ يرون أهل القرنة الذين عملوا بالسرقة خمسين عاما ينالون جائزتهم عن ذلك بما قدم لهم من وسائل تجعلهم ما زالوا يزيدون غنى ، على حساب الفلاحين الشرفاء ، ولا شك أنه ليس هناك مطلقاً ما يبرر محاباة أهل القرنة بالذات . ولو أنهم استحوذوا على كل الأسواق ، فسيكون من الصعب بعدها أن تُنوع الحرف في القرى الأخرىو يُرفع من مستوى معيشتها . والحقيقة أنه ما من قرية تستطيع أن يكون لها وجود مستقل بذاته ، وينبغي ألا تعد القرية كياناً منعزلاً . وينبغي من كل الوجوه أن تتخذ القرية المكان الملائم لها ضمن نموذج كلي – ليس فحسب من حيث المكان ، و إنما من حيث الأبعاد المختلفة للنمو الاجتماعي والاقتصادي ، بحيث أنها مع تطورها ومع تنامي عملها وحرفها وأسلوب حياتها ، تساعد بذلك على الاستقرار البيئي للمنطقة بدلاً من أن تفسده . ولعله ينبغي أن يكون لدينا خطة للمنطقة على المدى الطويل ، تخصص الصناعات للقرى بحيث لا تتولد ضغوط منافسة لا تطاق ، على أننا لم يكن لدينا أي من ذلك . وعلى كل ، فإن هذا مبعثاً للقلق لحظتها ، فبالوضع الحالي للريف هناك نقص هائل في أي منتج ، في أي من أكثر الضرورات الأولية للحياة المتمدينة ، بحيث أن هناك مجالاً فيه أكثر من متسع لأن تضاعف كل قرى مصر من إنتاجها لمرات كثيرة .
    * * *


    الحرف الريفية في القرنة
    لا بد من أن أوضح أنه فيما يتعلق بالحرف الريفية في القرنة ، فإنني فيما عدا حرف البناء ، لم يكن لدي أي نية لتنمية هذه الحرف بنفسي ؛ فلم يكن هذا من مهامي . على أننا قد قمنا ببعض التجارب ، وكأنها بمثابة أخذ عينات من التربة ، لنرى إذا كان يمكن للحرف أن تنمو في القرنة . وأهم الحرف هي صناعة النسيج ، فيمكن أن يكون منها بالفعل نوعان محليان للنسيج لهما أهمية كبيرة في القرنة (( البردة )) و (( المنير )) ، وأما قرية نقادة القريبة التي تعرف بأنها القرية (( المليونيرة )) فكانت تنتج نسيجاً بالغاً في التعقد وغلو الثمن يسمى (( الفركة )) ، وكنت أريد إدخاله للقرنة . و إلى جانب هذه ، وكلها أقمشة صوفية ، كان هناك أقمشة قطنية للكوفيات وما شابه وهي حقاً جميلة جداً بتقليمتها الرهيفة في تناسقها ؛ على أنها لم تكن من نوعية جيدة جداً وذلك بسبب الغزل والصبغات .
    * * *

    م/ غسان الشرجبي



    إقرأ أيضاً:


  2. #2
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    آخر نشاط
    12-09-2013
    المشاركات
    2,855
    [فلسطيني] ومكان السكن [فلسطين]
    [التخصص]: 000

    افتراضي

    بارك الله فيك مهندس غسان ... جزاك الله عنا كل خير

  3. #3
    [كبار الشخصيات]

    الحالة
    غير متصل
    آخر نشاط
    04-16-2014
    المشاركات
    474
    [مصري] ومكان السكن [فرنسا - باريس]
    [التخصص]: مصمم معماري وحضري

    افتراضي

    اخي العزيز غسان .. ان اسلوب الاطروحة مميز جدا وينسج افكارا في غاية الثراء .... ولكن ..
    وعذرا فدائما هناك (لكن) وارجوا ان يتسع صدرك لكلامي الذي سأحاول ان يكون علميا لأقصى حد
    اولا .. اريد ان اعرف اذا كانت هذه الاطروحة هي خاصة بك ام انها ترجمة للتقرير الخاص بحسن فتحي والتي تخص مشروع القرنة الجديدة الذي قام باعداده؟
    بناء على ردك على سؤالي سأستطيع ان ان اضع ردي التفصيلي .. وشكراً

  4. #4
    [معماري]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: architecte39
    آخر نشاط
    10-11-2013
    المشاركات
    3,974
    [Algérie] ومكان السكن [Algérie]
    [التخصص]: Architecture

    افتراضي

    بارك الله فيك ...........

  5. #5
    [معماري]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: احمد
    آخر نشاط
    09-28-2009
    المشاركات
    5
    [جزائري] ومكان السكن [الجزائر]
    [التخصص]: تسيير التقنيات الحضرية

    افتراضي

    الله يجازيك الخير

  6. #6
    الصورة الرمزية HEMOO
    [معماري VIP]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: ابراهيم
    آخر نشاط
    08-26-2010
    المشاركات
    200
    [ليبي] ومكان السكن [ليبيا]
    [التخصص]: معماري

    افتراضي

    مشكور اخي الكريم غسان .. وبارك الله فيك

  7. #7
    الصورة الرمزية جُـمــــانـة
    [مديرة الملتقى]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: جمانة
    آخر نشاط
    07-01-2014
    المشاركات
    4,110
    العمر
    24
    [كندية-لبنانية] ومكان السكن [لبنان-طرابلس]
    [التخصص]: العمارة

    افتراضي

    ينقل الموضوع إلى منتديات الهندسة المعمارية > كتب ودراسات معمارية

    وجزاكم الله عنا كل خير

  8. #8
    الصورة الرمزية ghadoura
    [معماري VIP]

    الحالة
    غير متصل
    [الاسم]: غدير محمود احمد
    آخر نشاط
    04-19-2011
    المشاركات
    189
    [مصرية] ومكان السكن [الاسكندرية-مصر]
    [التخصص]: عمارة

    افتراضي

    ربنا يجازيك كل خير

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع