مشاهدة النسخة كاملة : التقنية المتطورة.. هل تعيد الإنسان للبدائية؟


معمارية
11-01-2005, 12:54 PM
السلام عليكم
هذه احدي المقالات الشيقة للكاتب
الدكتور : مشاري بن عبدالله النعيم

مصدر المقال:http://arch.arab-eng.org/forum.php

اتمني ان تقرأوا المقال كاملا لما يشمل من معاني كثيرة

إحدى الظواهر التي تثير الأسئلة في حياتنا هي هذه الحدود التي بناها الإنسان حول نفسه وهذه القيم والمبادئ التي جعلها سياجاً متيناً يحميه من أخيه الإنسان. هذه الحدود التي تفصل بين ثنائيات متناقضة شكلت جوهر الفكر الإنساني عبر التاريخ، فهناك الخير والشر والكفر والإيمان والهدى والضلال (وهذه ثنائيات قيمية) والليل والنهار والظلام والنور (وهذه ثنائيات حسية) والداخل والخارج والأعلى والأسفل (وهذه ثنائيات فيزيائية مادية) وكل هذه الثنائيات بنيت حولها ولها حدود متينة نسجت حولها مجمل الثقافة الإنسانية. كنت أسأل نفسي دائماً كيف تجمع بني البشر في مجموعات صغيرة ثم بعد ذلك تحولت المجموعات إلى مجتمعات كبيرة تحكمها أنظمة وقوانين. وكيف أصبحت بعض تلك الحدود من المحرمات الكبرى التي لا يجرؤ أحد من أفراد المجتمع كسرها. بالتأكيد أن هذه الظاهرة الفطرية في الإنسان خلقت معه، فالله الذي خلقنا من ذكر وأنثى وجعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف. والذي أراه هو أن حتمية التعارف والاتصال هي التي جعلت منظومة القيم تتطور وتتشكل بصورتها الحالية التي نرى عليها الشعوب الآن. كما أن الإنسان بطبعه يعشق النظام وإن كان ضد فطرته (وهذه وجهة نظر شخصية) ووجود حدود منظمة أمر أساس لنشأة الحضارة الإنسانية. وكما هو معروف فإن التعليمات السماوية شكلت ونظمت تلك المبادئ والنظم الإنسانية، وأوجدت الحدود التي يجب أن يقف عندها البشر في تعاملهم مع بعضهم البعض وحتى مع أنفسهم في خلوتهم وفي اجتماعهم. هذه القيم والمبادئ والنظم ظلت في حالة تراكم وتطور وإعادة تفسير حسب الحدود الجديدة التي يرغب في رسمها الإنسان حسبما تقتضيه مصالحه.
وعلى أية حال هناك المسألة الفطرية التي تجعل الإنسان مختلفاً عن الحيوان فهو لا يبدأ من جديد دائماً بل يبدأ مما انتهى منه غيره، كما أنه لا يعيد اكتشاف العجلة طالما أن غيره اكتشفها وهي المسألة التي تجعل هناك خصوصية في منظومة القيم التي تميز شعباً عن آخر. هناك، كذلك المسألة الفردية وهي مسألة مهمة تجعل من كل إنسان ذا مخزون قيمي متميز حتى في وجود القيم الجماعية المشتركة، أي أن كل واحد ما يشكل عالماً خاصاً به ربما يتقاطع مع عوالم أخرى، ولكنه يظل منفرداً عن غيره. وهو من خلال فرديته يفسر الحدود حسب ما يراه وما وافق مصالحه. على هذا الأساس نستطيع أن نرى المجتمع عبارة عن مجموعة لا نهائية من توازنات القيم الفردية التي بينها خطوط مشتركة كثيرة وإن كانت غير متطابقة.
ولو حاولنا فهم كيف تتشكل القيم عند الأفراد وكيف تتطور ومن ثم تتقاطع مع قيم الآخرين لتصنع القيم المشتركة والذاكرة الجماعية ومن ثم الهوية الثقافية للمجتمع سوف نجد أن هناك أحداثاً تعتبر "حجر زاوية" في حياة المجتمعات هي التي تشكل تجربة تشكل القيم المشتركة.
يتحدث (هنتر) Hunter عن تأثير الماضي على الحياة المعاشة عندما قال: "إن ما يفعله ويجربه الشخص هنا والآن متأثر بالذي فعله وجربه في وقت ما في الماضي". وبما أن الذاكرة الجماعية - التي هي جزء من الماضي - أحد أهم مقومات الهوية المعاصرة لأي شعب من الشعوب لذلك فإن تفعيل هذه الهوية يمثل أحد المطالب الأساسية للشعور بوجود الهوية، فكما يشير (مورلي وروبن) Morley and Robin أن "تماسك الهوية الجماعية يجب أن يستدام عبر الزمن، من خلال الذاكرة الجماعية، ومن خلال الأعراف الحية والمشتركة، ومن خلال الإحساس بالماضي والتراث المشترك". لذلك فإننا عندما نتحدث عن الذاكرة وخصوصاً الذاكرة الجماعية فإننا نثير الانتباه إلى العلاقة بين الماضي والنشاطات التي تمارس في الحاضر. فمصطلح "استمرارية الذاكرة" Memory Continuity الذي تناوله الفيلسوف (شوماخر) Shoemaker هو عبارة عن سلسلة من الذاكرة المتصلة لمراحل تطور الإنسان والمجتمع. إذاً فنحن نعتقد أنه حتى تكون هناك استمرارية للذاكرة الجماعية يجب أن تكون سلسلة متصلة تمثل تطور العناصر المشكلة لهذه الذاكرة، هذا لا يعني أن تكون هذه المراحل متطابقة ولكن المهم أن يكون هناك حلقة اتصال بين كل مرحلة وأخرى. هذا الاتصال لا يمكن تحقيقه إلا من خلال فهم العناصر المهمة المكونة للثقافة التي تمتلك إمكانيات بنيوية غير ظاهرة والتي تمكنها من الاستمرار رغم تغير الظروف الاجتماعية والتقنية.
لا بد أن يكون في أي مجتمع ماهو عام ومشترك بين الأفراد، هذا ما يجعل الثقافة كإطار يتم فيه "تبني نوع من القيم التي تحث على النماء الاجتماعي". هذه القيم يتم توارثها عبر الأجيال وتستخدم كمعايير "لما هو مرغوب ومحبب، ولكن هذه الرغبة ليست ذاتية بل مقيدة بمتطلبات المجتمع". وبما أن الثقافة تتغير إذاً فالسؤال هنا هو إلى أي مدى يمكن لجماعة ما أن تحافظ على هويتها، أي أنها تبقى معروفة لنفسها وللآخرين.. لذلك فالتفريق بين نواة الثقافة (التي تتغير قليلاً وبشكل بطيء) والثقافة الثانوية (التي تتغير بسرعة) مهم ومفيد خصوصاً في حالة التغير الثقافي المطرد. والحقيقة أننا نعيش تحولاً ثقافياً سريعاً يهدد بزوال كل القيم التي بنى الإنسان عليها حضارته. إن نواة القيم مسؤولة عن المحافظة على هوية الجماعة وتماسكها عبر الزمن قد تكون قوية ومتماسكة ولكن ماذا لو تطورت تقنية تمكن الإنسان من اختراق هذه النواة وتفتيتها من الداخل. ومع أن (ماسيني) يؤكد أن العناصر الجوهرية للثقافة تبقى قوية وفاعلة مما يجعل المجتمع في حالة ديناميكية دائمة لأن العناصر الجديدة ستخضع للترشيح والتكييف من قبل العناصر الجوهرية للثقافة الأصلية.
والحقيقة أن نواة القيم هذه هي التي صنعت حضارة الإنسان ونقلته من البدائية إلى المدنية، فالإنسان يتفنن في صنع الأنظمة والقوانين المكتوبة وغير المكتوبة (الأعراف والتقاليد) التي تضمن تعايش بني البشر جنباً إلى جنب كما أنه طور مؤسسات قانونية وتنفيذية لضمان المحافظة على حضارته ومدنيته. ولكن هناك الجانب المتوحش البدائي في الإنسان الذي يجعله دائماً يمارس الفوضى. وهو الأمر الخطير هنا فالقانون وضع وتطور من أجل حفظ الحقوق وحماية الإنسان من الإنسان، وإذا لم تكن هناك الحدود التي يقف عندها البشر ويهابونها ويحترمونها سوف تتحول الحياة إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف. ومع أن مبدأ الغابة هو أحد المبادئ التي مارسها البشر طوال تاريخهم، وهو ما جعل فكرة القيم والمبادئ ركيزة مهمة للتجمعات الإنسانية، إلا أن هذا المبدأ غالباً ما كان محدوداً واستثنائياً، أي أنه لم يتحول لمبدأ عام في تاريخ الإنسان.
ولكن ماذا لو تحول مبدأ الغاب إلى مبدأ عام يمارسه الإنسان دون حدود؟ في اعتقادي أن الإنسان كان حريصاً على القيم لإيجاد حدود تحميه وتحفظ له حريته وحياته. فالخصوصية على سبيل المثال أحد تلك الحدود المهمة التي فسرها الإنسان بطرق مختلفة ومارسها بأشكال متعددة ومتباينة ولكنها تبقى حداً فاصلاً بين العام والخاص وتميز الإنسان عن باقي المخلوقات. فماذا سيحدث لو أن أحداً مثل هذا لم يعد له قيمة؟ هذه الأسئلة تثيرها التقنية المعاصرة بقوة ليس لأننا نعيش عصر كسر الحدود بل لأننا نوشك أن نقترب من هذه الحالة التي أجدها تعيد الإنسان لبدائيته الأولى فالتقنية المتطورة تتيح للإنسان الفرصة لاختراق أي حد، فالخصوصية التي نراها مهمة لم تعد كذلك بعد التلفزيون والجوال والإنترنت. أصبح الوصول لأكثر الأماكن خصوصية ممكناً وسهلاً جداً. وما سيحدث في المستقبل هو أن التقنية ستجعل من الممكن تصوير كل شيء حتى تلك الممارسات الخاصة جداً التي تحدث خلف الجدران. إنها عودة مرة أخرى للعراء رغم كل تلك الحصون والمتاريس التي يحيط الإنسان بها نفسه. تذكرني هذه الحالة بتعريف كنا ننتقده بشدة للعمارة هو توفير "المأوى" الذي يقي الإنسان البرد والحر. وهو ما يحدث الآن، فلم يعد المبنى سوى مأوى ولم تعد فكرة الداخل والخارج ذات أهمية كبيرة، فالتقنية عرت كل شيء، وهذه لعمري عودة للبدائية عندما كان الإنسان في بداية معرفته بما أنعم الله عليه في هذه الأرض الطيبة. كما أن الأخطر من ذلك هو أن يستمرئ إنسان هذا العري ويرى أنه أمر حتمي لا مناص منه فيمارسه علناً. كيف ستعيدنا التقنية إلى الوراء هو أمر قد يستغربه البعض وقد يرى فيه آخرون مبالغة غير منطقية ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئاً، فالحضارة الإنسانية تتجه لبناء حدود جديدة لا تمت بصلة كبيرة للحدود القائمة وهو ما يجعل الأمر غير مطمئن.
ولكن هل الأمر سيء لهذا الحد أم أننا كبشر يجب علينا أن نتخذ خطوات محددة للتعامل مع هذه الظاهرة المدمرة. في رأيي الشخصي هناك مسألة القيم والمبادئ التي طورها الإنسان لحمايته، وهي ذاتها التي يجب علينا إعادة بعثها من جديد. فالممارسات الخاطئة مستمرة عبر التاريخ، ويمكن اعتبار الشذوذ في استخدام التقنية نوعاً من الممارسات الخاطئة. ولكن في رأيي هذا لا يكفي خصوصاً عندما نعرف أن التقنية في طريقها المستمر للتطور، الأمر الذي سيجعلها رخيصة جداً وفي متناول الجميع، إذ أنه من المتوقع أن بعض التقنيات المتطورة التي كــانت لا تتوفر إلا للحكومات، صار بإمكـان الأفراد امتلاكها وبأبخس الأثـمان. هذا أحد أهم المخاطر التي ستجعل الممارسات الخاطئة للتقنية المتطورة على نطاق واسع وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى بويهمية إنسانية ستعيد البشر إلى البدائية الأخلاقية وليست التقنية، وبالتالي ستظهر المجتمعات المتطورة شكلاً وتقنية، المتخلفة سلوكاً وأخلاقاً، وهو ما ينذر بالتراجع الإنساني وتزايد حدة تشيؤ القيم التي حذر منها كثير من المفكرين منذ عقود.

محمد2
11-01-2005, 09:25 PM
السلام عليكم

شكرا اختي لطرحك مواضيع ثثري الفكر
وشكر اخر لكتابتك المصدر

(تذكرني هذه الحالة بتعريف كنا ننتقده بشدة للعمارة هو توفير "المأوى" الذي يقي الإنسان البرد والحر. وهو ما يحدث الآن، فلم يعد المبنى سوى مأوى ولم تعد فكرة الداخل والخارج ذات أهمية كبيرة، فالتقنية عرت كل شيء، وهذه لعمري عودة للبدائية عندما كان الإنسان في بداية معرفته بما أنعم الله عليه في هذه الأرض الطيبة. كما أن الأخطر من ذلك هو أن يستمرئ إنسان هذا العري ويرى أنه أمر حتمي لا مناص منه فيمارسه علناً.)

هل حقا باتت العمارة فقط ماوي وسط غمرة من التقدم والتطور ؟؟؟؟؟؟

وكيف ممكن ان يسبب التطور عودة لبدائية الانسان رغم تضاد معاني هذه الكلمات ؟؟


اتمني من الجميع المشاركة بنقاش