مشاهدة النسخة كاملة : رؤية لواقعنا المعاصر


مازن00
04-15-2008, 02:09 PM
السلام عليكم

من خلال هذه المشاركة احاول طرح الاشكالية المتعلقة بواقع العمران المعاصر. فقد تعددت أساليب مقاربة هذا الواقع, اتسمت معظمها بعدم الرضا و المطالبة بالبحث عن بديل مناسب.
اغلب هذه المقاربات ترتكز على مبدأ عدم ملائمة عمراننا لواقعنا الثقافي و الاجتماعي,تقود غالبا إلى إشكالية البحث عن الهوية أو ما يعرف بإشكالية الأصالة و المعاصرة .
في بعض الأحيان الأخرى تطرح المقاربة التي تعتمد التقييم المباشر المبني على تشخيص المشاكل الظاهرة ( البنيات التحتية,المرافق,السكن,النقل,التوسع العمراني,توزيع الوظائف...) تقود في النهاية إلى خلاصة عجز التخطيط على استيعاب المشاكل المذكورة.

إلا أن ما يمكن ملاحظته من خلال هذه المقاربات هو تطورها بسرعة من حيث المناهج و الأدوات المستعملة وذلك راجع إلى تقدم العلوم وظهور التخصصات الدقيقة مما يتيح رؤية أوسع وشاملة, فيساهم بذلك في تازيم (من الأزمة) الواقع العمراني ومطالبته دائما من طرف النقاد بتقديم البديل المناسب, بمعنى أن العمران الحالي لا يرقى إلى المستوى المطلوب ويظل عاجزا عن حل الإشكاليات القائمة,واعتقد هنا أن السبب لا يرتبط بهذه الإشكاليات بقدر ما يتعلق بالمقاربات المستعملة, و التي كما أسلفنا أصبحت تتيح نظرة شاملة ودقيقة و عميقة للمشاكل أو الظواهر مما يزيد من تضخيمها و تحميلها في بعض الأحيان أكثر من حجمها أو إبرازها بمبالغة زائدة.لا أريد هنا التقليل من حجم و حدة المشاكل المطروحة و لكن أريد فقط أن الفت الانتباه إلى المسافة التي يمكن أن توجد ما بين المشكل الحقيقي ومقاربته, وتكون بالتالي هي الإشكالية الحقيقية.

و حتى لا نذهب بعيدا, يمكن الرجوع إلى نموذج عمراني يشكل تجربة حية لما سبق ذكره, و يتعلق الأمر بالعمران التقليدي أو ما يسمى بالمدينة العتيقة أو التراث العمراني الأصيل و التي تعتبر من النماذج الرائدة في تاريخ عمراننا, باعتبار أنها اتسمت بمعالجة ذكية لحاجياتها على المستوى ألمجالي والاجتماعي,و يمكن تفسير هذه المسالة بالرجوع إلى السياق الزمني لهذه الفترة التي تميزت بعدة معطيات أظن أنها هي التي ساهمت في تشكيل عمرانها وهي :
- اعتماد الدين كمعطى أساسي لوضع المبادئ الأساسية لتنظيم و تشكيل المدينة.
- استقرار العلاقات الاجتماعية نتيجة للأولوية التي كانت تحظى بها في حياة الأفراد.
- توزيع الأدوار الوظيفية للمدينة بطريقة تلبي حاجيات السكان وتخدم مصالحهم العامة و الخاصة .
ما يمكن استخلاصه من هذا التحليل العام هو أن هذه المرجعية المتمثلة في المعطيات السالفة الذكر هي التي أفرزت بطريقة تلقائية هذا الشكل العمراني, مما يعني أن هذه المعطيات كانت قادرة بصفة مستمرة على استيعاب الإشكاليات المطروحة حتى قبل ظهورها.

هذا ما يتعلق بفترة محددة ميزت تاريخنا العمراني, أما في وقتنا الحالي فان أي مقاربة تبقى صعبة لتواجد عدة معطيات غير محددة و لا يمكن ضبطها بدقة, و يمكن حسب رؤيتنا تحديدها في ما يلي:
- تراجع الدين و أثره في حياة الأفراد نتيجة تعدد التصورات المرتبطة بمفهومه.
- تنوع الشرائح الاجتماعية و صعوبة تصنيفها مما يؤدي إلى تعقد العلاقات الاجتماعية.
- تنوع السلوك و الاعتقادات داخل المجتمع الواحد, بل في بعض الأحيان داخل الأسرة الواحدة, أو تغيرهما لذا الفرد الواحد في زمن قصير, و ذلك راجع إلى التقدم الكبير في وسائل الانفتاح المتاحة حاليا على العالم الخارجي.
- طغيان الجانب المادي على الجانب الروحي مما يجعل تصور مفهوم المدينة اقرب إلى مكان للاستهلاك,أكثر منه كمفهوم يراعي الجوانب الأخرى المكونة للمدينة وخاصة المتعلقة منها بالجانب الإنساني.

إن هذه المعطيات التي تبرز أمامنا حاليا تضعنا أمام إشكالية عميقة عندما نقوم بأي تقييم أو نقد لعمراننا, يمكن تحديدها في جانبين:
- إشكالية مادية ترتبط بالجانب التقني والمهني للتخطيط العمراني,واعتقد أن النقد في هذا المجال متاح و ضروري بالنسبة للمتخصصين في هذا الميدان وذوو الخبرة العالية.
- إشكالية ذهنية أو فكرية ترتبط بالمفهوم الحقيقي للمدينة و المرجعية التي ينبغي أن ينبني عليها تصور مدننا و تخطيط مستقبلها في ظل التغيرات السريعة التي تخترق ثقافتنا.

إن ما يستحق التوقف والتأمل فيه هي هذه الإشكالية الثانية والتي تحيلنا على مسالة مرجعية مهمة, والتي في غيابها لا يمكن أن نندفع بسرعة في أي عملية نقدية أو تقييم بطريقة موضوعية و بناءة لهذا الواقع, وإلا فسوف تبقى كل هذه الانتقادات مجرد أفكار مجردة عن سياقها, لان الفكر النقدي يظل أكثر حرية ومساحة من الفعل العمراني, ومهما بذل من مجهود لتحقيق ذلك فستبقى مجرد اجتهادات فردية و ذاتية بعيدة عن أي تغيير حقيقي.
إذن في ظل هذا السياق أظن أن الواقع العمراني يعكس بصورة مباشرة و يعبر بصدق عن واقعنا الحالي بدون أي مبالغة, مما يؤكد أن العمران ليس سوى مرآة لعكس واقعه, مما يحتم علينا ليس كمعماريين أو مخططين فقط, بل أيضا في جميع المجالات الأخرى أن نغير من تعاملنا مع إشكالية واقع عمراننا و أن نعمق من وعينا و فهمنا لهذا الواقع,لأنه يبدو لي في هذه الفترة الراهنة أن الإشكالية المطروحة حاليا خاطئة أو معكوسة, و أن الإشكالية الحقيقية تتواجد في عقولنا وليس في واقعنا لان الواقع ليس إلا نتيجة حتمية لثقافتنا و طريقة تفكيرنا ولا نمكن أن نطالب أكثر من إمكانياتنا المتاحة دون تضافر الجهود لتغيير هذا الواقع من مصادره الأصلية,هذا إذا كنا مقتنعين بالبديل المناسب وكان هذا البديل يحقق مصالح العامة والخاصة.

Hessein
06-28-2008, 03:04 PM
نتمنى ان تتكاتف جهود المعماريين العرب لحل هذه المشكلة الوعرة

انيس
06-29-2008, 01:21 PM
الموضوع جميل ويحتاج الى تأمل............

مازن00
06-29-2008, 09:31 PM
شكرا على مروركم الكريم، و نتمنى خدمة العباد لما فيه مصلحة الجميع.