مشاهدة النسخة كاملة : مدينة الفسطاط وشروط اختيار المسلمين للمدن الجديدة


eltallawy
12-10-2007, 03:40 AM
شروط اختيار موقع المدينة الجديدة
وضع المسلمون منذ بواكير الحضارة الإسلامية استراتيجية ومفاهيم أساسية يجب الأخذ بها عند اختيار المدن فقد حدد ابن الربيع ستة معايير يجب مراعاتها فى اختيار موقع المدينة وهى سعة الماء المستعذبة وإمكان الميرة المستمدة واعتدال المكان وجودة الهواء والقرب من المراعى والاحتطاب وتحصين منازلها من الأعداء والزعار وأن يحيط بها سور يعين أهلها، فتوفر الماء شرط أساسى فى اختار مواقع المدن فعليه تقوم الحياة وهو متوفر فى موقع الفسطاط فهى تقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، أما الشرط الثانى وهو إمكانية الميرة المستمد فهو يفسر فى إيجاز بليغ النظرية الاقتصادية فى لتخطيط فتوفير الغذاء مطلب أساسى لنشأة المدن واستمرار حياتها.
أما الشرط الثالث وهو اعتدال المكان وجودة الهواء ففيه ما يؤكد على أهمية المناخ والاعتبارات الصحية فى اختيار المسلمين لمواقع ندنهم ومما يشير إلى أهمية هذا العنصر ما لاحظه الخليفة عمر بن الخطاب على أفراد الجيش الإسلامى بعد فتح المدائن والنزول بها ما أصابهم من خور وضعف فأمرهم بعدم سكنى هذه المدينة والانتقال إلى موضع آخر يوافقهم وقال إن العرب كالإبل لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل.
يذكر ابن خلدون أنه من أسباب خراب المبانى التى تختطها العرب قلة مراعاتهم لحسن الاختيار فى اختطاط المدن فى المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعى فإنه بالتفاوت فى هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته من حيث العمران الطبيعى.
ولم تكن هذه الشروط للتوفر جميعا فى موقع واحد ولكن توفر أكثرية منها كان يعنى حسن موافقته لنشأة المدنية، وقد توفرت جُلّ هذه الشروط فى موقع مدينة الفسطاط فهى قريبة من الماء وتحيط بها المزارع والحقول كما يسهل للحصول على الغذاء من الصعيد والدلتا وأيضاً من الجزيرة العربية والشام، بها المراعى وتقع فى موقع محصن تحصيناً طبيعياً إذ تحميه التلال من الشرق والجنوب ويحميه من الغرب مجرى مائى طبيعى هو نهر النيل ولذا لم يبق للفسطاط غير جانب واحد يحكمها العرب أى على العكس كان مصدر الأمان للفسطاط وطريق الإمدادات إليها كما كان هذا الجانب هو المجال الطبيعى لامتداد المدينة ونموها فيها بعد ( )، ويعتبر شرق الدلتا هو المكان الوحيد الذى يمكن الوصول إليه فى مصر دون المرور على موضع الفسطاط.
http://www.m3mare.com/up/uploads/a7266ceca8.jpg (http://www.m3mare.com/up)
يشير الاصطخرى إلى موقع الفسطاط بقوله "مدينتها العظمى تسمى الفسطاط وهى على النيل فى شمالى النيل"، أى قرب نقطة تفرغ دلتا النيل وملتقى شمال وجنوب مصر كما يذكر أيضا ناصر خسرو أنه "تقع مدينة مصر – يقصد الفسطاط- بين نهر النيل والبحر".
وهكذا فقد اختير موقع الفسطاط بعناية فائقة إذ تقع على نهر النيل إلى الجنوب من الدلتا علاوة على سيطرتها على الطريق البرى الواصل بين بلاد الشام والمغرب وإفريقية كما أشار لذلك البشارى بقوله "وفصل بين المغرب وديار العرب"، كذلك من خصائص موقع الفسطاط أنه بالقرب من موقع الخليج الذى يصل بين نهر النيل والبحر الأحمر وهو الذى عرف بخليج أمير المؤمنين فيما بعد"( ) وهى قناة قديمة كانت تصل بين نابليون والبحر الأحمر عند السويس أسسها(أمينوس تراجانوس) – الإمبراطور الرومانى تراجان Trajan، وكانت تمر بمدينة بلبيس وبحيرة التمساح ولكنها أهملت فأعاد عمرو بن العاص حفرها وكان يرسل بواسطتها القمح والشعير إلى بلاد العرب وسهلت بذلك المواصلات بين الخليفة وتابعه.
http://www.m3mare.com/up/uploads/7d5f53d103.gif (http://www.m3mare.com/up)
وكان لموقع الفسطاط أهمية حربية حيث يذكر استرابو أن حصن بابليون الذى يقع قريبا من موقع منف كانت فيه إحدى الحاميات الثلاث فى مصر، ومما يؤكد أهمية الموقع أن المصريين القدماء كانوا قد اتخذوا منف( ) عاصمة لهم مدة طويلة وكانت مدينة هليوبوليس عين شمس التى كانت مبانيها متصلة بمبانى مدينة منف قديماً عاصمة لمصر أيضاً وتقع مدينة الفسطاط بين هاتين المدينتين القديمتين يفصلها عن كل منهما ثلاث فراسخ( ) إلى الجنوب والى الشمال كما اتخذها البابليون فى القرن السادس قبل الميلاد مكاناً لاستقرارهم فى مصر وبنوا فيها حصناً حربياً وجعلها الرومان عاصمة ثانية لإقليم مصر وصلوا بها بين الوجهين البحرى والقبلى.
اختيار موقع الفسطاط :
لم يكن اختيار موقع الفسطاط فى هذه البقعة تحديداً عشوائياً وإنما دليل على سعة إطلاع وإلمام شامل شمولية عميقة ووضوح رؤيا واستشراف لآفاق المستقبل كما ينم عن ملكات الإبداع الحضارى الذى كان عليه العرب آنذاك.
كانت رغبة عمرو بن العاص أن يتخذ من الإسكندرية مقراً له حيث إنه "لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها مفروغاً منها همَّ أن يسكنها وقال مساكن قد كُفِيناها فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فى ذلك فسأل عمر الرسول هل يحول بينى وبين المسلمين ماء، قال نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل فكتب عمر إلى عمرو أنى لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بينى وبينهم فى شتاء أو صيف فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط"( ).
هذا الرد من الخليفة عمر بن الخطاب إنما يدل على وضوح استراتيجية كاملة لاختيار مواقع المدن الجديدة حيث حدد شروطاً أساسية فى اختيار مواقع المدن الجديدة- ومنها الفسطاط- فقرر الخليفة أن تكون المواقع المختارة على طرف البادية غير بعيدة عن الماء والرعى ولا يفصلها عن المدينة المنورة – مركز الحكم والخلافة الإسلامية آنذاك – موانع طبيعية( )، وكان ذلك خير للعرب إذ إن الإسكندرية فى ذلك الوقت موطن العناصر الأجنبية الحاكمة ومركز الثقافة اليونانية الرومانية فى حين أن الموقع الجديد عند بابليون حيث العناصر الوطنية التى تنظر للعرب والمسلمين كمنقذين لهم من ظلم الرومان واضطهادهم المذهبى( )، كما يســـــــهل إرسال المدد فى أى وقت من مركز الخلافة( )، كما أن المسلمين فى ذلك الوقت لم تكن لهم دراية كبيرة بركوب البحر ولم تكن للمسلمين قوة بحرية تمكنهم من الدفاع عن المدن الساحلية ولا تكون الموانع المائية عائقا فى الحملات الحربية( ).
وعلى هذا فقد أعاد العرب صياغة توارث أهمية الموقع حيث إن المدينة كانت مستعملة قبل الفتح العربى لمصر ربما ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ( ).
http://www.m3mare.com/up/uploads/f5dc75355b.gif (http://www.m3mare.com/up)

دكتور محمود
12-10-2007, 09:37 AM
الله الله يا أسامة
افتح الخزنة ونحن في استقبال مقالاتك الرائعة
نحن بحاجة إلى موضوعاتك في العمران والرحالة والتنمية السياحية
بداية طيبة وموضوعات شيقة من الفاو إلى الفسطاط
ولكن لتكن موضوعاتك بمنتدى التراث المعماري أفضل

لك خالص تحياتي